«كان موظفاً في إحدى الوزارات فعوقبَ بالعزل والتهميش، لأنه لا يستطيع أن يواري كذب وفساد رؤسائه في العمل، وهو يرى ذلك رؤى العين، فرهن القلم لفضحهم، لهذا بادروه بالعزلة، ثم همّشوه كما يليق التهميش برجل غير مرغوب فيه، فأصبح لشخصيته شخصيتان، انقلب هو الآخر على نفسه، واحدة تقف ندّاً للأخرى، فحين يتمرّد يُسقط لعناته على كلّ شيء، وفجأة يغفرُ لكلّ شيء خطاياه، ليبدأ بلعن نفسه، يكثرُ من الألم، حتى لتظنه حاملاً آثار الخطيئة منذ آدم، ومع ذلك تجدهُ حالماً في أوقاتٍ ما، حالماً حتى العظم، حتى تأسف على أنَّه لم يُخلق على شاكلة حُلم.
«ما أحوجني إلى غيبوبةٍ طويلة».
كان دائماً يتلفظُ بهذه الجملة، حين ينوي أن يطأ عتبة الصّمت، فيسأله الجميع:
«ولمَ ترغب بهذه الغيبوبة؟...»
يكتفي جواد بالصّمت، وبهزّ ذا الشعر الرّماديّ الطويل، وعيناه الصّغيرتان المُحمرّتان، تستنجدان كأنّما تقولان: «كونوا جسراً لأعبر».
ولم يكونوا إلاّ كالرّاقصين في المُتعب، المهدود.
«تعلّمت من المكان الذي أشغل فيه حيزاً، الصّفير واللعب بأصابعي طول فترة الدّوام الرّسميّ، وحين أعودُ إلى غرفتي حيث تلك المرأة العجوز تنتظر أوبتي، علّي أفيها إيجار الغرفة، أكمل صفيري واللعب بأصابعي أمامها وأنا أصعد إلى الغرفة في العليّة».
كرّر خلال جلسته أكثر من عشر مرّات مقولته التي ذكرها بمناسبة وغير مناسبة، ويختم بها كلّ حديث وحوار على غير عادته، فجاءت كترنيمة، ترنّم بها: «ما زلتُ أسوقُ نفسي إلى الموت».
*إيمار، تأليف الروائية والقاصة: نجاح إبراهيم، صادر عن اتحاد الكتاب العرب سلسلة الرواية /2010/ تقع الرواية في 140 صفحة من القطع الكبير. تصميم الغلاف: الفنان التشكيلي يوسف اسمندر.



















